دنــــــــــانــيـــــــــــــــــر

ثقافي
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم


بحث عن:

المواضيع الأخيرة
»  جمهرة رسائل العرب
الثلاثاء يونيو 11, 2013 10:35 am من طرف شيرين عابدين

» فنـــــــــون
الأربعاء مايو 29, 2013 8:40 pm من طرف شيرين عابدين

» تَأمَّلْ أقوالهم ... ولتكنْ أعمالـَك !
الأربعاء مايو 29, 2013 8:18 pm من طرف شيرين عابدين

» رسالة قصيرة
الأربعاء مايو 29, 2013 8:14 pm من طرف شيرين عابدين

» قصة كفاح ... ونجاح ...
الإثنين مايو 06, 2013 11:10 pm من طرف شيرين عابدين

» مقتطفات من مجلة علم وخيال
الإثنين مايو 06, 2013 11:06 pm من طرف شيرين عابدين

» قراءة في دفاتر بعض الحمير
الخميس أبريل 25, 2013 1:41 pm من طرف شيرين عابدين

» ندوات ومؤتمرات
السبت أبريل 13, 2013 8:05 pm من طرف شيرين عابدين

» الموقع الرسمي لهيئة كبار العلماء والرئاسة العامة للإفتاء
السبت فبراير 09, 2013 6:18 am من طرف شيرين عابدين


شاطر | 
 

 عمي ياسين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد جمال صقر
مشرف


عدد المساهمات : 26
تاريخ التسجيل : 19/04/2012

مُساهمةموضوع: عمي ياسين   الثلاثاء مايو 01, 2012 11:40 pm

عمي ياسين

على رغم أمراضه البادية والخافية ، دلف قبلي إلى محفل مناقشتة رسالتي للماجستير سنة ثلاث وتسعين وتسعمئة وألف للميلاد ، متوكئا ذات اليمين على عصاه ، وذات الشمال على أبي .
عرّفته إلى ضيفي العظيم محمود محمد شاكر ، رحمه الله !
- عمي ياسين مندور ، زوج خالتي ، من قرائكم في الثلاثينيات .
- أسرها في نفسه ، ثم أبداها .
- ألا تكفي " عمي ياسين مندور " !
- يا لها زلة !
- أين أخفي وجهي من سائر أهلي الذين يناديه فيهم بالأبوة من هم مثلي بل أكبر !
- يا ضيعة ما أدبني !
- ياسر أبر منك !
- أجل . غفر الله لي !
ليت ياسرا ابنه يعلم ما قاله فيه ، ويجهل ما فعله لي !
لقد كان لي بحدائق الزيتون من القاهرة ، معلما ودودا رحيما .
لم يكن في ذاكرتي طفلا عن منزله المشرف على طريق القطار ، إلا أنه شقة يسرى من أعلى طوابق مبناها الثلاثة ، صغيرة المساحة ، ضاحية للشمس ، لينة للقطار – تمشي إليه بحذائه طويلا ، أسرتي الآيبة من بني سويف إلى المنوفية ، المتلبثة بالقاهرة للزيارة ، فيصخب فيه اثنا عشر صوتا لو ماد بها لعذرته المنازل !
ثم لما أقمت بجمعية رعاية الطلاب ، طالبا بكلية دار العلوم من جامعة القاهرة ، فارتحت إليه – أكثرت زيارته ، حتى لتستقل بذاكرتي أحجار وأشجار وقضب قطار كان بخاريا عنيفا فصار كهربائيا لطيفا .
كانت بالمملكة السعودية أسرتي كلها إلا أنا وأختي الطالبة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعتي نفسها ، فكنت مرة أمكث بمقامي ، وربما زرت أختي بمقامها ، ومرة أرحل إلى قريتي ، ومرة أزوره .
أملأ حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة ، كتبا قيمة وملابس متوسطة ، ثم أذهب فأركب إلى رمسيس الحافلة الخامسة عشرة ، حافلة دار العلوم ( موقفها أمام بابها ، وركابها طلابها غير القاهريين الذين موقف أحمد حلمي خلف ميدان رمسيس منتقلهم إلى بلادهم ) ، ثم أمشي قليلا لأركب قطار عزبة النخل الذي يمر بحدائق الزيتون ، فأعتلي في سبيل ذلك الجسر المحاذي لتمثال رمسيس الثاني ، فأطاوله ، فأعلوه .
- ها أنا ذا فوقك ، أيها الفرعون العظيم !
ولدت شاردا . قالت لي أمي مرة : كنت وأنت رضيع ، إذا حملت بكيت ، وإذا وضعت كففت ! ربما قطع حملي شرودي ، ووصله وضعي !
" وأنا في رياض المثال الغريب أحاول سورة هاء الشهود بآية راء الشرود " براء ص 62 .
لذلك سهلت علي آنئذ الحافلة ، وصعب القطار ؛ إذ أبقى فيها حتى موقفها ( ميدان رمسيس ) ، فينزل بي منها الركاب والسائق والتابع ، أما القطار فلو لم أتعلق بمعالم طريقه ، لتنازعتني الجهات !
أنزل من القطار ، فأمشي بحذاء طريقه ، سعيدا باتصال الحاضر والماضي ، إلى شارع أبادير ، ثم أختطف درج المبنى الثالث ، إلى الطابق الأعلى والشقة المفتوحة الباب غالبا ، وكأنه رسول أبواب دور قريتنا إلى أبواب شقق القاهرة ، يدعوها إلى الانفتاح ! ولو صادفته مغلقا ، لجذبتني على ظهره لوحة نحاسية باسم الرائد ياسين مندور !
أجل ، معلمي الودود الرحيم ، كان ضابطا بالجيش المصري . لكن ظن برجل عاقل عالم فنان ضابط .
لقد بقيت سبع سنوات ، منذ أن طلبت بالقاهرة إلى أن تزوجت فأقمت بمنوف ، زوارا له دوارا عليه بما يحدث لي ، أقص عليه كالسائل ، فيقص علي كالمجيب ، حتى اشتملت على طرف عزيز من علمه وفنه ، كأنه أمنية مصطفى صادق الرافعي " أن تصاحب عالما عاملا خير لك من أن تحفظ مئة كتاب " ، أخطأها ، فأصبتها هبة لم أطلبها جهلا بها لا غنى عنها .
كنت بجواب عينه أعرف قيمة ما قلت ، ثم بجواب لسانه أعرف ما ينبغي أن أقول .
كانت نظرته أفصح من محككة الحكيم ، وكلمته أشعر من حولية الشاعر .
- اخرج إلى موعدك قبله بزمان ، فربما طرأ عائق .
ثم يضبط لي منبهه ، ويتفقد يقظتي إلى ما يعرف من مواعيدي .
- من لمعان حذائه يعرف الأنيق .
ثم يقتطع لي من قطيفة عزيزة لديه , قطعة بوصية أن أحملها معي دائما ألمع بها حذائي ، فأفعل ، لأعرف قريبا أنه صنع ذلك نفسه لأخوي !
- لا يضر الأنيق عجزه عن تعديد الأثواب ، فثوب واحد نظيف مكوي ، فيه كفايته .
ثم تختدعني خالتي إلى حقيبتي الرياضية الحمراء التافهة ، فتستخرج أثوابي ، فتغسلها وتنشرها ، فلا أؤوب بها إلى مقامي إلا نظيفة مجهزة .
- استوثق من نظافة أدواتك .
ثم يأخذ كوب شاي غسلته ، فيريني كيف تتعثر بالماء على زجاجه دوائر الوسخ الخفي ، ثم يدلكه بليفة مرغية ، ثم يغسله ويريني كيف يجري على زجاجه الماء لامعا كأنما صنع الآن .
- سوء الطعام من سبل الحمية !
ثم ينصح لزوجه الصناع المراعية نصيحة الطبيب له ، أن تسيء هي صناعة الطعام ليقلل هو أكله !
- الناس مختلفون طاقة .
ثم ينصح لي ألا أهلك نفسي بحملها على ما يطيقه غيرها ولا تطيقه .
- ينبغي للمستمتع أن ينشط .
ثم ينصح لي أن أرتاح في الجلوة .
- ليس في العري من جمال .
ثم يستبعد لذلك أن تتجرد إغواء الغواني .
- ليست الرقة من أوصاف الرجال .
ثم يعيب علي وصفي له بالرقيق ، في خلال إهدائي إياه مجموعتي الشعرية الأولى .
- من الرجال من لا يبوح بحبه .
ثم ينصح لي ألا أنتظر بوح بعض الرجال بحبه .
- لكل كلام رجال .
ثم يحكي لي كيف انتظمه مرة صف رجال يشترون خبزا ، فسمع أحدهم يسيء القول في النساء ، حتى ليجعل المرأة منهن نعلا يلبسها الرجل ! فعاتبه على ذلك بأنها التي يحتضنها كل مساء ! فغضب الرجل : تقصد أنني وامرأتي نعلان ! فأنشده :
ليلى على دين قيس فحيث مال تميل
وكل ما سر قيسا فعند ليلى جميل
فأنكر عليه الرجل أن يسب دينه ، ولولا السن لربما ضربه أو سبه !
- والدك عالم فنان .
ثم ينعى علي تقصيري عما ينبغي من ملازمته ومحاورته .
- كان العقاد فاتكا !
ثم يحكي لي كيف كتب في الفلسفة فآخذه بقلة الاطلاع بعض الفلاسفة , فجاءه من مقالته التالية بما أعجزه مما قرأه بين المقالتين .
- إنما نبه الخولي إلى بنت الشاطئ اجتهادها .
ثم يحكي لي كيف سأل الخولي تلامذته عما قرأوه ، فأدهشته دونهم بما قرأت ، بنت الشاطئ تلميذته التي تزوجها بعدئذ .
- القراءة أهم من الطعام .
ثم يحكي لي كيف أنفق في الكتب مال الطعام راضيا بالجوع .
- للكتاب حرمة .
ثم يعلمني كيف أعامله وأحميه ، لا يسمح بإعارة كتبه ، وإن أهداني منها .
- ينبغي للشاعر أن يختار الكلمات السهلة القريبة من الناس .
ثم يعيب علي في أوليتي وحشية كلماتي ، ثم يضحك بعدئذ من تحدرها سهلة قريبة .
- ليس أعذب في الموسيقا من ضحك الأطفال .
ثم يحتفي بأطفال أبنائه ، يحدثهم ويسمع ، ويستثيرهم ويثور .
- العصيان أدعى إلى الصدقة من الطاعة .
ثم يرى السائلين على أبواب المعاصي أكثر وأحكم منهم على أبواب المساجد .
- ليست مراتب الخشوع لله ، على حسب السلطان أو الجاه أو العلم .
ثم يذكر سماكا أشعث أغبر أذفر ، صادفه حيث يصلي ، أحسن منه صلاة .
ماتت خالتي – رحمها الله ! – بالقاهرة ، فانتظرناها بقريتنا حيث مثواها ، حتى وصل ركبها ، ثم صلينا عليها ودعونا لها ، ثم دفناها . لطف الله بكل أسرة استرد منها سبب رحمتها ! رأيت صغيرتها تنظر إلى جثمانها الطاهر نحمله ، فرأيت روحها يفر من عينيها إليها ، وادة لو حيت به دونها . رأيت أميرها قد أعجزته قدماه فقعد ، وأعجزته عيناه فبكى ، حتى إذا ما رأى أبي انتحب :
- ماتت أم ياسر ! رحمها الله !
بقي عمي ياسين وحيدا إلا من رعاية أهله ، حتى أخذه ابنه ياسر ليعيش معه في المملكة السعودية حيث يعمل .
زارنا بعدئذ في منوف مرة ، فهرعت إليه وابتهجت به كمن انتبه من طول غفلة ، فوجدته ملولا كمن تغافل من طول انتباه !
مات عمي ياسين - رحمه الله ! - هذه السنة الحادية والألفين للميلاد ، في صحبة ياسر ، وأنا بسلطنة عمان حي عجز عنه ، فأف لها حياة دنيا !









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عمي ياسين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
دنــــــــــانــيـــــــــــــــــر :: دنانير الأدباء والمفكرين :: دنانير الدكتور محمد جمال صقر-
انتقل الى: